محمود توفيق محمد سعد
23
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
وأظن أن هذه المرحلة هي التي كان من ثمارها أن صار واحدا مما لا يمكن أن يستغنى عن تراثه طالب علم مجدّ في علوم القرآن الكريم ، فهو يمتاز في هذا على أقرانه كالسخاوي أن ما قدمه لنا من التراث العلمي لا يمكن أن يغنى عنه غيره ، ولا سيما تفسيره الجليل : " نظم الدرر في الآيات والسور " أما السخاويّ فإنّه وإن قدّم لنا ما يحمد له فإنّ في ما قدمه غيره ما يغني عنه . والبقاعي يتميز عن تلميذه السيوطيّ بأنّ السيوطي وإن كان أكثر شهرة وتأليفا فإنّ ما قدمه يغلب عليه أنّ له فيه الجمع والترتيب والتصنيف ، وليس له منه ما يتفرّد به على غيره ، فمن خلل كثيرا من أسفار " السيوطي " أمكنه أن يعيد ما فيها إلى أصحابها من العلماء السابقين أو المصاحبين للسيوطيّ فلا يبقى له منها ما يمكن أن يشار إليه ، وليس للمرء من أسفاره إلّا ما أنتجه قلبه من دقائق العلم لا ما وعته حافظته من مقولات الآخرين ، ولا سيما في زماننا هذا الذي أضحت فيه أدوات حفظ المعرفة جد عديدة ويسيرة . البقاعيّ له في تفسيره على الأقل كثير جدا مما لا تكاد تجده عند سابق عليه أو مصاحب له ، فإنّ شخصيته العلمية قائمة في تفسيره تجوبه وتقطعه طولا وعرضا فلا يكاد يغيب عنك جرسه ونفسه ، وذلك شأن العالم الماجد ، ومن ثمّ فإنّي أزعم أنّه هو وشيخه " ابن حجر " من المجددين في القرن التاسع الهجري . * * * * * المرحلة الثالثة : من سنة 880 - 885 تبدأ هذه المرحلة بخروجه من القاهرة إلى دمشق ، وتنتهي برحيله إلى ربّه الرحمن الرحيم . في دمشق يتلقاه " ابن قاضي عجلون " ( ت : 928 ) وتلاميذه ويبالغ في إكرامه وإجلاله لما بلغه من علمه ، ويبقى في كرم ابن قاضي عجلون إلى أن تنشب فتنة تعرف بفتنة ( ليس في الإمكان أبدع مما كان ) وهي قضية فلسفية قال بها " الغزاليّ " ، ويتصدى لها " البقاعي " ويفنّد آراء القائلين بها ويؤلّف في هذا ولا يرتضي منه " ابن قاضي عجلون " ذلك ، تعصبا للغزاليّ ولا يلين البقاعيّ ، فإن الرجال بالحق وليس الحق بالرجال ، وليس الغزاليّ أو غيره خلا النبي صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا بالمعصوم من أن يردّ عليه بعض ما يأتي به ، فينصرف